.::||[ آخر المشاركات ]||::.
كيف تحفظ القرآن الكريم؟! [ الكاتب : واثق الخطوة - آخر الردود : واثق الخطوة - ]       »     نفح البردة [ الكاتب : يحيا التبالي - آخر الردود : بدر الزمان بوضياف - ]       »     ما أثر الإيمان فى صحة الإنسان النفسية والبدنية [ الكاتب : حسن العجوز - آخر الردود : أ د خديجة إيكر - ]       »     خاطرة بعنوان زوجي أهديها لرفيقة دربي [ الكاتب : أيمن أبومصطفى - آخر الردود : أ د خديجة إيكر - ]       »     مناقب قومي الأشاوس [ الكاتب : بدر الزمان بوضياف - آخر الردود : بدر الزمان بوضياف - ]       »     هذه الدنيا غريبة [ الكاتب : الهام بدوي - آخر الردود : بدر الزمان بوضياف - ]       »     قراءةٌ في كتابٍ جديدٍ من عُيون ما ألِّفَ في تَماسُك النّصّ في القرآن الكريم أ.د. عبد الرحمن بودرع [ الكاتب : د. أنس فجال - آخر الردود : د. أنس فجال - ]       »     اختصار النحو للدعاة ... ولمحبي اللغة [ الكاتب : واثق الخطوة - آخر الردود : واثق الخطوة - ]       »     آية قرآنية و قاعدة صرفية 4 ( متجدّد) [ الكاتب : أ د خديجة إيكر - آخر الردود : أ د خديجة إيكر - ]       »     فكرة ... لتعلم النحو [ الكاتب : واثق الخطوة - آخر الردود : واثق الخطوة - ]       »    



عدد مرات النقر : 1,103
عدد  مرات الظهور : 774,887

من أهم الأحداث


العودة   منتدى الإيوان > أروقة العلوم الأدبية والنقدية > رواق الأدب العربي


رواق الأدب العربي يُعنى بمسائل الأدب العربي ومدارسه ونظرياته ، في عصوره المتنوعة من ( عصر ما قبل الإسلام إلى عصرنا الحديث )

 
 
LinkBack أدوات الموضوع انواع عرض الموضوع
Prev المشاركة السابقة   المشاركة التالية Next
قديم 23/Nov/2010, 10:25 PM   #1 (permalink)
عضو متميز
 
الصورة الرمزية ألطاف محمد
 
تاريخ التسجيل: Apr 2010
المشاركات: 400
Thanks: 210
Thanked 309 Times in 164 Posts
قوة السمعة: 5
ألطاف محمد is on a distinguished road
افتراضي المســـــرحية في الأدب العربي الحديث (تـــأريــخ - تنــظــــير - تـحلـيــــــــــل)

ا
المســـــرحية
في الأدب العربي الحديث (تـــأريــخ - تنــظــــير - تـحلـيــــــــــل)

د. خلــيل المــوســى

من منشورات اتحاد الكتاب العرب 1997

(1)
المقدمة :

المسرح بشكله الحالي وبتقاناته وجمالياته المعاصرة وبشروطه (الخشبة -النص - الممثّل - الإخراج - الأزياء - الديكور - الموسيقى - الصوت- المتلقّي...إلخ) جنس وافد منذ منتصف القرن الماضي، وقد تناولته دراسات مختلفة، أو تناولت أجزاء منه أو موضوعات خاصة، كفنّ التمثيل وفنّ الإخراج والديكور والعرض وزمن العرض واللغة والحوار والشخصية، ويمكن العودة إلى المعاجم المسرحية في هذه الأمور.
إنّ هذه الدراسة لا تتناول المسرح، فله دارسوه وعارفوه والمختصون به، ولكنّها تتناول المسرحية أو النّص المسرحي بصفته نصًّا قابلاً للعرض على الخشبة، ولذلك فإننا هنا نفصل بين مصطلحي "المسرحية" و"المسرح" فإذا صدفنا عن الثاني فإن المصطلح الأول ـ”المسرحيةـ" هو مجال اهتمامنا سواء كانت شعرية أم نثرية، ثم إننا نفصل في هذه الدراسة بين المسرحية المكتوبة بالفصحى وبين المسرحية المكتوبة بلهجة عامية، وينصبّ اهتمامنا على الأولى دون الثانية، وإن نضطّر في بعض المراحل التاريخية لأن نذكرها لدورها في تطور كتابة النص المسرحي.
وينبغي لنا- هنا- أن نفرّق بين المسرحية والمسرح والنص الدرامي والشعر المسرحي والمسرح الشعري، فالمسرحية نعني بها النص المسرحي القابل لأن يُمثّل، ونعني بالمسرح النص المسرحي ممثّلاً على خشبة ومعروضاً على جمهور بتقانة المسرح وشروطه، ونعني بالنص الدرامي النص الذي ليس من الضرورة أنه قابل لأن يمثّل، أما الشعر المسرحي فهو النص المكتوب شعراً، ولكنّ الغنائية فيه تهيمن على الحوار والصراع والبناء الدرامي، والمسرح الشعري نعني به النص المكتوب شعراً، وهو قابل للتمثيل لأن البناء الدرامي فيه يهيمن على العناصر الغنائية ويسيّرها لمصلحة التمثيل.
وثمة قضية أخرى لابدّ من التنبيه عليها قبل الدخول في الدراسة، وهي تتعلّق بمصطلح "المسرحية"، فقد مرّ هذا المصطلح بتطورات، فأطلق عليه اسم "الرواية" حتى وقت متأخر "أعمال أحمد شوقي"، ولتفريق هذا المصطلح عن الرواية السردية أضيفت في البدايات كلمة "تشخيصية" أو "تمثيلية"، فأصبح المصطلح من كلمتين "رواية تشخيصية" أو "رواية تمثيلية"، بل إن رواد المسرح كالنقاش والقباني وسواهما أدركوا هذه القضية، فأضافوا عدّة صفات إلى العنوان ليشتمل على ما تحته، فقد أضاف أبو خليل القباني -مثلاً- إلى عنوانه رواية "هارون الرشيد مع الأمير غانم وقوت القلوب" عبارة "وهي تاريخية غرامية أدبية تلحينية تشخيصية ذات خمسة فصول"، وفعل الرواد مثل هذا الفعل، ثمّ استُخدمت كلمة "تياترو" للدلالة على المسرحية والمسرح، وفي بيروت مسرح قديم تحوّل إلى دار للسينما، وظلّ يُطلق عليه " التياترو الكبير"، ويُطلق المغاربة على خشبة المسرح "الركح" وهو الساحة، والمهمّ في ذلك كلّه أننا نُطلق في هذه الدراسة مصطلح "المسرحية" على النّص توحيداً للمصطلح في الدراسة.
أما المنهج الذي ارتأيناه فهو المنهج التحليلي، وخاصة في دراسة النصوص والتنظير، ولكننا لم نهمل المنهج التاريخي (التطوري) لبيان تطور المسرحية العربية، وكان لابدّ من العودة إلى مصادر ومراجع مختلفة، وقد عاد المؤلف إلى دوريات مختلفة لأنها الأغنى في دراسة الأدب الحديث والمعاصر، وحاول أن يتوقف طويلاً عند التحليل ليبيّن أهمية كلّ مرحلة على حدة.
يتألف هذا الكتاب من تمهيد وخمسة فصول، فقد كان لابدّ في التمهيد من الوقوف عند أشكال ما قبل المسرح في التراث العربي لربط الحاضر بالماضي، وإن ثمّة إجماع تقريبي على أن المسرحية جنس وافد، ولكنّ ما دعا إلى هذا التمهيد هو أن المسرح اليوم يعود في عمليات التأصيل والتأسيس إلى هذه الأشكال للاستفادة منها، وكان الفصل الأول بعنوان "البدايات والريادة"، توقفت فيه عند ثلاثة أعلام كان لهم دور فعّال في تأسيس المسرح العربي في بيروت ودمشق والقاهرة، وحلّلت مسرحية مثالاًً على هذه المرحلة، وكان الفصل الثاني بعنوان "المسرحية الشعرية والتقليدية" بيّنت فيه إخفاق الشعر المسرحي" وأسبابه، وتوقفت في الفصل الثالث عند "المسرحية الشعرية المعاصرة"، وتحدثت عن تقاناتها وخصائصها وعيوبها، وكان لابدّ من التوقف في الفصل الرابع عند المسرحية في أدب توفيق الحكيم، وهو مؤسس المسرحية النثرية بجدارة، أما الفصل الأخير فقد توقفت فيه عند المسرحية المعاصرة في سورية، ويمكننا أن نسحب هذا الفصل مثلاً على تطور المسرحية المعاصرة في مصر ولبنان والعراق.
هذا أهم ما يمكننا أن نُدلي به في هذه المقدمة تاركين المقدّمة لفصول الكتاب يحدّثنا عن محتواه، والله من وراء القصد.
خلـيل الـموسـى
دمشــق 1/9/1996

التمهيد:

ما قبل المسرحية والمسرح :
إنّ قضية المسرحية والمسرح بمفهومها المعاصر في المجتمع العربي قبل مسرح مارون النقّاش قضية إشكالية لا يمكننا البتُّ فيها بتّاً نهائيّاً، ولا يمكننا الوصول إلى حلّ يقيني، فالأدب العربي شعراً ونثراً -عرف كثيراً من النصوص القابلة لأن تتحوّل إلى مسرحيات ناجحة، وعرف المجتمع العربي أشكالاً وأنواعاً من الفرجة بنصّ أو من دون نصّ، يمكننا أن نُطلق عليها مصطلح "ما قبل المسرحية والمسرح".
ولابدَّ قبل الدخول في استعراض هذه الأشكال من أن نتوقف عند آراء الدارسين حول هذه القضية فثمة رأيان متناقضان تناقضاً تاماً حول وجود المسرح في المجتمع العربي قبل منتصف القرن الماضي، ويذهب أصحاب الرأي الأول إلى أن الثقافة العربية لم تعرف المسرح قبل مارون النقاش، ويضعون بين يديك الأسباب التي حالت دون ذلك، وثمة رأي آخر يذهب أصحابه إلى أنّ العرب قد عرفوا أنواعاً من الفرجة ويقدّمون مشاهد من ذلك.
أما أصحاب الرأي الأول فهم ينظرون إلى المسرح بتقنياته الغربية، ويؤكدون شروط وجود المسرح بعناصره الأربعة:المسرحية (النص)- الخشبة-الممثل-المتفرج،وهو بهذه غير معروف في المجتمع العربي قبل مسرحية "البخيل" لمارون النقاش، ويبيّن هؤلاء الأسباب التي حالت دون وجوده، وهي كثيرة، وأهمها:
1- حياة الترحال التي كانت تعيشها شعوب المنطقة، في حين يتطلّب المسرح متفرّجاً مستقراً، ولم يعرف العرب الاستقرار في مدن في الجاهلية، وشخصية العربي ذائبة في القبلية، والمسرح يشترط الاستقرار أولاً والشخصية المتميّزة ثانياً، وهذا السبب اجتماعي.
2- تحريم الإسلام تصوير الوجوه البشرية على حدّ زعم أصحاب هذه النظرية، وهي نظرية فيها أخذ وردّ، ولكنها من وجهة نظرنا قابلة للنقاش، خاصة أن المجتمع العربي يدين معظمه بالإسلام، ومع ذلك فإنّ المسرح والسينما والتلفاز وسائل تعتمد على التصوير، ولا نجد أصواتاً في المجتمع العربي تعارض هذه الوسائل وتحّرمها لاعتمادها على التصوير، والإقبال عليها شعبيّاً في كل بقاع الوطن العربي دليل على ذلك.
3- عدم مشاركة المرأة في التمثيل، والمسرح يتطلّب ذلك، وقد كانت الأعراف والتقاليد تقف عائقاً إزاء هذا الشرط، ولكنّ هذا الشرط هو الآخر قابل للنقاش، فالمسرح الغربي لم يكن يعرف مشاركة المرأة في جميع عصوره، وقام الرجل بالأدوار النسائية إلى وقت متأخر في القرن الخامس عشر، ومع ذلك استمر المسرح، وعندنا أمثلة على رجال قاموا بأدوار نسائية على المسرح ونجحوا فيها.
4- عدم ملائمة المجتمع العربي للصراعات الأربعة على حدّ ما جاء في أبحاث محمد عزيزة، فهو يذهب إلى أن الصراع أساس المسرح، والصراع يحتاج إلى مجتمعات معقّدة، والمجتمع العربي ليس منها على رأيه، وهذه الصراعات في المسرح الإغريقي هي:
- الصراع العمودي: وهو ينجم عن تمرّد الفرد ضد النظام العلوي (إرادة الآلهة)، ويضرب مثالاً على ذلك بـ "برمثيوس"، وهو يلتقي في هذا الصراع مع الذين يذهبون إلى أن وثنية العرب في العصر الجاهلي كانت ساذجة لم ينجم عنها مسرح كما عند اليونان، أو الذين يذهبون إلى أن الإسلام دين التوحيد فرفض قبول أو ترجمة المسرح لتعدّد الآلهة فيه.
- الصراع الأفقي: وهو ينجم عن تمرد الإنسان ضد قوانين المجتمع، ويضرب مثالاً على ذلك بـ "أنتيغونا".
- الصراع الديناميكي: وهو ينجم عن رفض الإنسان لاستسلامه للمصير المقرر سلفاً (الفرس- اسخيلوس).
- الصراع الداخلي: وهو ينجم عن انقسام الذات الإنسانية إلى ذاتين متضادتين متصارعتين، بحيث يصبح الإنسان الواحد هو البطل والبطل المضاد، وهو الضحية والجلاّد معاً، ويضرب مثالاًً على ذلك بـ "أوديب- سوفوكليس".
ويلخّص أدونيس آراء أصحاب هذه الاتجاه، فينكر وجود المسرح في المجتمع العربي القديم والمعاصر معاً، ويقدّم عدة اختلافات وهوى تفصل بين هذا المجتمع والمسرح الحقيقي، وأهمّها من وجهة نظره أنّ عالم المسرح هو عالم الإشكال، وقد نشأ العربي ضمن ثقافة دينية البنية لا إشكال فيها، وإن ثقافة الإنسان العربي هي ثقافة الإيمان لا التساؤل، والمسرح قلق كيان وقلق مصير.وهذا يعني أن الإنسان -مسرحياً-مركز الكون، غير أن الله، لا الإنسان، هو مركز الكون بحسب الثقافة التي نشأ فيها العربي -تاريخياً- والمسرح مدني، والعربي -من وجهة نظره- لم يؤسّس مدينة، أما المدينة التي أنشأها فقد كانت تنويعاً على الخيمة وثأراً منها في الوقت ذاته: أي أنها كانت قصراً وجارية وحديقة، ولم تكن وليدة وعي تنظيمي -حضاري، بل يمكن القول -على حدّ عبارته- إنّ المدينة العربية المدنيّة، لم تنشأ حتى الآن"1"، وهو يضيف إلى ذلك أنّ اللغة العربية هي لغة بيان وفصاحة، أو لغة وحي وإنشاء وتمجيد، واللغة المسرحية هي لغة التوتر والتناقض والقلق والصراع: إنها لغة- الحركة"2".
وأسهل ردّ على اتهام هؤلاء للغة العربية بأنها لغة بيان وفصاحة لا تصلح للمسرحية والمسرح لفقدانها التوتر والتناقض والقلق والصراع -وخاصة أن هذا الرأي يطالعنا به بعض المشتغلين بالمسرح عندنا- هو أنّ هؤلاء المتهمين يحاولون إخفاء عجزهم باتهام اللغة -فصيحة أو سواها- واللغة كائن معجمي في اللغات، يأتي المبدع –شاعراً أو روائياً أو مسرحياً- فيتعامل معها، فإذا كان خلاّقاً نطقت اللغة بدلالات ليست في مفرداتها، لأن اللغة سياق وعلاقات لا مفردات، وإن كان دخيلاً على الآداب والمسرح عجز عن التعامل مع اللغة سياقاً، ولنا أدلة على ذلك في نهضة الأجناس النثرية في مطلع عصر النهضة (مقالة -خطابة -ترجمة)، فغدت اللغة مرنة طيّعة على أيدي أديب إسحق وجبران خليل جبران وغيرهما، ولنا في تجربة الشعر الحديث والمعاصر، وخاصة عند السياب وخليل حاوي وأمل دنقل وأدونيس ومحمود درويش وسواهم أمثلة على ذلك أيضاً، فقد استطاعوا في بعض أعمالهم أن يرتفعوا إلى الخلق الفني،ولنا في بعض أعمال المسرحيين الكبار من أمثال توفيق الحكيم أدلة أخرى على قدرة اللغة العربية التي تلاءمت مع المقالة والخاطرة والرواية والشعر أن تتلاءم مع المسرح والمسرحية إذا كان المؤلف خلاّقاً، وإذا كان بعض علماء اللغة ضد التجديد فإنّ في اللغات الأخرى أمثالاً لهم، ولم يعب في يوم من الأيام مسرحي فرنسي أو انكليزي أو ياباني لغته ويتهمها بالعجز إلاّ حاول أن يجد حلاً لذلك، فالرمزية الشعرية الفرنسية اتهمت اللغة بحلّتها حينذاك بأنها عاجزة عن نقل التجربة التي يعيشها هؤلاء الشعراء، ولكنهم وجدوا الحلّ في السياق، فلماذا لا يقدّم المتّهمون عندنا حلولاً؟ هل يريدون منّا مثلاً أن نكتب بلغات أخرى؟ ثم من قال لهم إن اللغة العربية تفتقد التوتر والتناقض والقلق والصراع؟
5- سوء ترجمة كتاب "فنّ الشعر" لأرسطو في العصر العباسي، وهو الكتاب النقدي الهام الذي ظلّ ولا يزال مرتكزاً لفنّي المأساة والملحمة، وكان بعض المترجمين من السريان يجهل اللغة العربية، أوليس ضليعاً في اللغة اليونانية، فلما توقف متى بن يونس عند مصطلح "التراجيديا" لم يجد ما يقابله في اللغة العربية، فنظر إلى السياق، فوجده يقوم على الحديث عن النبلاء، فانصرف إلى ترجمته بـ"المديح""3"، ولما توقّف عند مصطلح الكوميديا" ترجمه بـ "الهجاء"، وخاصة أنّ أرسطو يعرّف التراجيديا بأنها فنّ جميل يمتاز بالنبل وتمجيد البطولة، في حين تستهدف الكوميديا نقد المثالب والعيوب، فخلط المترجمون بين المسرح الشعري والشعر الغنائي، ثم أوغل ابن رشد في تلخيص كتاب أرسطو في الخطأ ذاته حين راح يطبّق المأساة على شعر المديح العربي في فصول هذا الكتاب، "4" ثم سار على نهجه حازم القرطاجي وسواه، ولذلك فإنّ هذا الخطأ الفاحش صرفهم عن ترجمة المسرح الإغريقي ظناً منهم أن ما عندهم من شعر يوازي ما عند الآخرين أو يماثله أو يتفوّق عليه، فانصرفوا عن ترجمة الأعمال المسرحية الخالدة التي درسها أرسطو في كتابه، من أمثال "أوديب ملكاً" و "الإلياذة" و"الأوديسة"، وكان على العرب أن ينتظروا إلى بداية النهضة لمعرفة هذا الفن الجميل، وعندي أن هذا السبب وجيه.
أما أصحاب الرأي الثاني الذين يرون بعض التجليات المسرحية بأشكالها الاحتفالية في التراث العربي فهم ينظرون إلى المسرح من خلال هذه الأشكال، ولا يشترطون وجود العناصر الأربعة (المسرحية -الخشبة- الممثل -المتفرج) معاً، فهم -مثلاً- لا يشترطون وجود النص أو الخشبة، ويقتصرون على الممثل والمتفرج"5"، أو على أحد هذه العناصر دون الأخرى، ومع أن دراستنا تقوم على المسرحية لا على المسرح، فإن ذلك لا يمنع من أن نستعرض أهمّ ما يراه أصحاب هذا الرأي من الأشكال الاحتفالية التي تمثل مرحلة "ما قبل المسرحية والمسرح"، وهي كثيرة ولكنّ أهمّها:
1- أسواق العرب في الجاهلية، وأهمّها ما كان يحدث في سوق عكاظ من حضور بعض القبائل للفرجة والاستماع إلى شعرائهم ينشدون قصائدهم وتشجيعهم ضدّ شعراء القبائل الأخرى، وكان النابغة الذبياني -كما تروي كتب الأدب- يُدير ذلك العرض وينهيه بالحكم على هذا الشاعر أو ذاك"6".
2- خروج الخليفة بدءاً من عصر الرشيد للصلاة يوم الجمعة بأعظم مظاهر للخلافة، يتقدّم الموكب فرقة من المشاة تحمل الرايات، وفرقة الموسيقى والفرسان، ثم يظهر بعد ذلك أرباب الدولة، ويهلّ الخليفة، وهو يرتدي طيلساناً أسود ممتطياً جواداً من خيرة الجياد العربية، ويتبعه رجال الدولة والحرّاس، وهذا الموكب هو عرض مسرحي"7" يتوافر فيه العرض (الممثل) والمتفرج، ولكنه يظلّ بلا نصّ، وخشبته هي الشارع أو الساحة أو غيرهما.
3- عاشوراء ونصوص التعزية: هي عروض تراجيدية تعيد على المتفرجين الذين يشتركون في الاحتفال، وهم من الطائفة الشيعية، تمثيل ما جرى عام 680م في كربلاء بين جنود الحسين بن علي (ر) وجنود يزيد بن معاوية، حين استشهد الحسين وقُطع رأسه ومثّل بجثته، وهذا العرض من أهمّ العروض الاحتفالية القريبة من المسرح. يبدأ الاحتفال في العاشر من محرّم وينتهي في نهاية الشهر، ويرتدي فيه الممثلون والمتفرجون ثياب الحداد، وتكون المشاهد تراجيدية فعلية، ولذلك من الصعب إيجاد ممثّل يؤدي دور شمر بن ذي الجوشن قاتل الحسين، ليس لأنه يضرب بالحجارة وترمى عليه القاذورات في أثناء العرض، ولكن لأنه يبقى ملعوناً إلى فترة عند أهل القرية"8"، وتتحول في هذا العرض شخصيتا الحسين ويزيد إلى شخصيتين تراجيديتين، تمثّل الأولى الشخصية الخيرة، وتقابلها الشخصية الثانية، ويذهب أحد الدارسين إلى أن عروض التعزية هي العروض الدرامية الوحيدة للشخصية التراجيدية في الأدب العربي الوسيط"9"، ولكنّ أدونيس يرى أنها احتفال خطبة أو شكل من أشكال الصلاة، ولكنها ليست مسرحاً"10".
4- المقامات: يرى الدكتور إبراهيم حمادة أنّ أصول مسرح الظلّ تعود إلى فنّ المقامة"11"، ويربط لندا و"12"، وعبد الحميد يونس"13" وعلي الراعي"14" بين المقامة وفنّ المسرحية وعدّوا المقامة لوناً مسرحياً وأنها في أصلها أدب تمثيلي، ويذهب الدكتور قطاية إلى أن أهمّ ما في المقامة أن أبا الفتح الإسكندري بطل مقامات الهمداني هو ممثل حقيقي في المقامات، فهو يقوم في كل مقامة بدور مختلف عن الآخر، وهو إما أن يكون متسولاً أو أعمى أو مهرجاً أو شيخاً أو شاباً أو غير ذلك، ويمكننا اعتباره ممثّلاً كوميدياً"15"، وقد استطاع الطيّب الصديقي أن يقدّم هذه الشخصية في مسرحيته "بديع الزمان الهمذاني"، فنالت إعجاب الجميع، وقد قدّمها معتمداً على العناصر التقنية المعاصرة في المسرح الأوروبي، وعلينا ألاّ ننسى أن أستاذه (جان فيلار) في المسرح القومي الشعبي بباريس نصحه: "عند عودتك إلى بلادك يجب أن تنسى كلّ ما رأيته هنا، ولا تعد سوى التقنية""16" وتوقف الدكتور علي علقلة عرسان عند شخصيات المقامات، وخاصة عند شخصية أبي زيد السروجي المتقلّب في أدواره فهو واعظ يلبس لبوس الدين، لكنه يتصرف في الوقت نفسه تصرفاً شائناً، وهو ينهى عن الفحشاء والمنكر ليغرق في دنان الخمر، وهو يتقلّب في قوالب الانتساب، وكان يتزيا أحياناً بزيّ امرأة في المقامة البغدادية، وهو محتال كبير متنوّع الاهتمامات والتجربة والثقافة"17".
5- مسرح خيال الظلّ: ويسمى أيضاً طيف الخيال"18" (أراكوز)، وهذا المسرح أقرب ماينتمي إلى المقامة، فالتشابه بينهما في اللغة والفكاهة وأحوال الشخصيات وارد، ولغة مسرح خيال الظلّ لا تختلف كثيراً عن لغة المقامة، ويبدو تأثير لغة المقامة واضحاً في بنية البابة من حيث التعلّق بالصنعة، ولكنّ لغة البابة تميل إلى السوقية في ألفاظها ومعانيها، وخاصة إذا وضعنا في الحسبان أن البابة تقدّم للمتفرجين من العامة في حين تقدّم المقامة للمتعلمين للقراءة، وهذا يعني أن البابة أقرب إلى روح الشعب من جهة وأقرب إلى الكوميديا من جهة أخرى، وإن كان عنصر الفكاهة وارداً في الفنين معاً، ولكنه في المقامة أرقى لغة وأخلاقاً، وتقابل شخصية أراكوز شخصية أبي الفتح الإسكندري في مقامات الهمذاني وشخصية أبي زيد السروجي في مقامات الحريري.
وأهم من برز في تأليف البابات محمد بن دانيال (1248- 1311م)، وهو طبيب مصري قد‍ّم ثلاث بابات لخيال الظلّ بالشعر والنثر المصنوع المقفى، وقد كتبت هذه البابات بهدف عرضها في خيال الظل، وهي "طيف الخيال -غريب وعجيب- المتيّم"، وهي أقرب أشكال (ما قبل المسرحية والمسرح" إلى المسرحية والمسرح، فشخصياتها كوميدية، وهدفها تقديم التسلية والضحك، وينتابها غير قليل من ألفاظ البذاءة، وتتوافر الشروط الأربعة فيها بنوع ما: النص -الخشبة- الممثل- المتفرج، وقد ذهب لنداو إلى أن خيال الظلّ مهّد الطريق أمام المسرح والسينما"19"p .
وإذا عدنا إلى النص، في المقامات والبابات وجدناه متوافراً سواء أكان للهمذاني أم للحريري أم لابن دانيال أم لسواهم، وهذا ما يهمّنا في هذه الدراسة، وهي نصوص وضعت لغرض ما، فالمقامة وضعت للتعليم لا للفرجة، وهذه قضية تختلف بين المسرحية والمقامة، وإن كانت المسرحية عند أرسطو للتطهير، ولكنّ التطهير فيها يكون من خلال الفرجة والعرض على الخشبة، والتطهير اقتراب من التعليم، ولكن البابة وضعت للفرجة، وهذا ما يجعلها أقرب إلى المسرحية من المقامة، وليس معنى ذلك أن البابة مسرحية خالصة، فقد ظلّ فيها من فنّ المقامة الكثير،كطغيان السرد والصناعة اللغوية، ولذلك كان على المسرح أن ينتظر حتى منتصف القرن الماضي رائداً كمارون النقاش.


هوامش التمهيد:

1- فاتحة لنهايات القرن (دار العودة) بيروت -ط1- 1980- ص ص160-163.
2- نفسه- ص ص174- 175.
3- فن الشعر مع الترجمة القديمة وشروح الفارابي وابن سينا وابن رشد -تر. عبد الرحمن بدوي. بيروت (دار الثقافة)- د.ت- ص85و 89و 108و 109....إلخ.
4- نفسه -ص ص215- 217 وص ص 224- 231.
5- بوتيتسيفا، تمارا ألكساندر وفنا -ألف عام وعام على المسرح العربي -تر. توفيق المؤذن -بيروت (دار الفارابي) -ط1- 1981 -ص31.
6- الأغاني (نسخة مصورة عن طبعة دار الكتب) -11/6.
7- الراعي، د. علي -المسرح في الوطن العربي -الكويت (سلسلة عالم المعرفة -25) -ك2 1980- ص19.
8- قطاية، د سلمان-المسرح العربي من أين وإلى أين -دمشق(اتحاد الكتاب العرب)-1972ص ص 55-57،وألف عام وعام على المسرح العربي -ص47، وعرسان، علي عقلة- الظواهر المسرحية عند العرب- دمشق (اتحاد الكتّاب العرب) -ط3- 1985- ص ص660-663.
9- لنداو، يعقوب م. -دراسات في المسرح والسينما عند العرب. تر. أحمد المغازي -القاهرة (الهيئة المصرية العامة للكتاب) 1972 -ص46.
10- فاتحة لنهايات القرن -ص164.
11- خيال الظلّ وتمثيليات ابن دانيال -القاهرة (المؤسسة المصرية العامة للتأليف والترجمة والطباعة) -1960- ص ص119- 124.
12- دراسات في المسرح والسينما -ص39.
13- خيال الظلّ في القاهرة (الدار المصرية للتأليف والترجمة والنشر) -(سلسلة المكتبة الثقافية- 138) -آب 1965-ص ص60-65.
14- فنون الكوميديا من خيال الظل إلى نجيب الريحاني -القاهرة (دار الهلال) -العدد 148- سبتمبر 1971 -الفصل الأول.
15- المسرح العربي- ص55.
16- نفسه -ص85.
17- الظواهر المسرحية عند العرب -ص ص446- 447.
18- نوع من التشخيص المسرحي تؤديه الظلال التي يلقى بها على ستارة شفافة مرئية أمام المتفرجين.
19- دراسات في المسرح- ص66. وانظر حول هذا الموضوع: كمال الدين، محمد -العرب والمسرح- (سلسلة كتاب الهلال -293)- مايو 1975، وحجازي، حسين سليم -خيال الظلّ وأصل المسرح العربي.. دمشق (منشورات وزارة الثقافة) 1994، والمسرح العربي بين النقل والتأصيل (عدة مؤلفين) -كتاب العربي 218- الكويت 1988، والحايك، منذر -خيال الظلّ بين التراث والمعاصرة -الموقف الأدبي -ع 283- 284- 1994م، والعلبي، أحمد- أول مؤلف مسرحي في الأدب العربي -خيال الظلّ -دراسات عربية -ع11- أيلول 1966. إلخ.


الفصل الأول:

المسرحية العربية: الريادة والبدايات
مرّ مصطلح "المسرحية" بتطورات في تقاليدنا الثقافية في هذا القرن وفي النصف الثاني من القرن الماضي، فأُطلق -أولاً- على المسرحية اسم "الرواية"، وكان ثمة قرينة تشير إلى أنها رواية تمثيلية وليست رواية سردية، كأن يضاف إليها كلمة "تشخيصية" أو "تمثيلية" أو سواهما، ثم استخدمت كلمة "تياترو" للدلالة على المسرحية، وأطلق المغاربة على خشبة المسرح "الركح" وهو الساحة"1".
ولم يُعرف المسرح ولا المسرحية بمفهومها المعاصر قبل منتصف القرن الماضي في الوطن العربي، وإنما عرفت أشكال مسرحية تنتمي إلى ما قبل المسرح العربي، وهي أشكال إشكالية تحتاج إلى دراسات موسّعة ، وقد مرّ بعض الحديث عنها في التمهيد، ولذلك فإننا سنتوقف في مرحلة الريادة والبدايات عند ثلاثة رواد لا يمكننا إغفال أيّ منهم، لأن ذلك يجعل الدراسة ناقصة وغير موضوعية، وهم مارون النقاش وأبو خليل القباني ويعقوب صنّوع، ولكّل منهم تلاميذ ساروا على نهجهم، ثم إننا سنتوقف -في هذا الفصل- عند مسرحية "أبو الحسن المغفّل أو هارون الرشيد" لمارون النقاش، لنحلّلها تحليلاً فنّياً لتدلّ على النصّ المسرحي في مرحلة الريادة من جهة، ولأن لهذه المسرحية فاعلات خفيّة فيما بعدها، كالاتجاه إلى التراث الشعبي للتعبير به عن تجربة معاصرة، ثم إنّ لهذه المسرحية صلة بعيدة أو قريبة ببعض المسرحيات المعاصرة، ومنها مسرحية "الملك هو الملك" لسعد الله ونوس، وسيأتي الحديث عن ذلك في الفصل الأخير.
1- مارون النقاش مؤسس المسرح العربي:
هو مارون بن إلياس النقاش مؤسّس فنّ التمثيل العربي، ولد في صيدا في 9 شباط عام 1817، وكان أبوه تاجراً، فانتقل بأسرته إلى بيروت سنة 1825، فأتقن فيها مارون القراءة والكتابة العربية، وتعلّم النحو والصرف وعلم المنطق والعروض والمعاني والبيان والبديع، وأخذ وهو في سّن الثامنة عشرة -ينظم الشعر بعيداً عن التعقيد والركاكة بالقياس إلى الشعر الذي كان سائداً في ذلك العصر، ثمّ أتقن الحساب والمحاسبة ومسك الدفاتر على الأصول الإفرنجية، وبرع بتعلّم اللغات، فأتقن إلى حد ّما التركية لغة البلاد الثانية في ذلك الزمان، والإيطالية لحاجة التجارة إليها، والفرنسية، كما تعلّم الموسيقى وأتقنها، ثمّ انصرف إلى التجارة بعد أن شغل منصب رئيس كتّاب جمرك بيروت، ازدهرت تجارته، ودرّت عليه الربح الوفير، وكان يقوم في سبيلها برحلات إلى أوروبة، ولاسيّما إيطاليا، ليدرس حالات السوق ويستورد بعض السّلع، إضافة إلى أنه كان يسافر إلى بعض المدن الشامية كحلب والشّام، وسافر إلى الإسكندرية والقاهرة عام 1846، ثمّ عرّج من هناك إلى إيطاليا.
شاهد النقّاش في رحلاته إلى أوربة عامة وإيطاليا خاصة بعض المسرحيات والأوبرات، فاستهواه ذلك، عاد من إيطاليا بزادين: زاد التجارة وزاد الفتح المسرحي، ثمّ سافر إلى طرطوس في أيلول 1854 في رحلة تجارية، ومكث هناك ثمانية أشهر، وأصيب بحمّى شديدة في أواخر أيار سرعان ماأودت بحياته في الأول من حزيران عام 1855، ثمّ نقلت أسرته، فيما بعد، جثته إلى لبنان"2".
لما عاد النقاش إلى بيروت من رحلته إلى إيطاليا ضمّ إليه جماعة من أهله وأصدقائه، وأخذ يعلّمهم فنّ التمثيل، وانصرف إلى المسرح، ونذر له جهده وماله، فقدّم خمس مسرحيات من النوع الكوميدي، وهو أصعب أنواع الفنون المسرحية وأرقاها، متأثراً بالمسرحي الفرنسي الكوميدي موليير، ثلاثاً منها من تأليفه وإخراجه، واثنتين من تأليف أخيه الشاعر المحامي نقولا النقاش (1825- 1894)، وكانت كوميديا "البخيل" أولى مسرحياته، وهي أول مسرحية عربية، وقد ألفها وأخرجها ومثّلها في أواخر عام 1847 وأوائل عام 1848 في منزله في بيروت، ودعا إليها علية القوم، فلاقت استحساناً كبيراً، وهي مستوحاة من مسرحية "البخيل" لموليير، ولكنها ليست ترجمةً ولا اقتباساً، بل هي من تأليفه، فلم يستطع موليير أن يستلب النقاش، ولا أن يمحو فاعليته وشخصيته الذاتية والقومية، فقد غير المكان وأعاد صياغة الشخصيات خالعاً عليها سمات عربية، وذهب الدكتور محمد يوسف نجم في دراسته لهذه المسرحية إلى أن أسلوبه الشعري أقرب إلى الركاكة"3"، ولكنه قال عنها: "زعم الكثير من الباحثين أن مسرحية البخيل لمارون النقاش، هي اقتباس أو ترجمة للمسرحية المعروفة بهذا الاسم، التي كتبها المسرحي العظيم موليير. والحقيقة التي لا يرقى إليها شكّ، أنّ هذه المسرحية مؤلفة من ألفها إلى يائها. بيد أن النقاش ألفها بعد قراءته للمسرحية المولييرية، واستيعابه لبعض شخصياتها، ولمقومات الإضحاك فيها، إلاّ أنه لم يقتبس شيئاً من المادة (الموضوع) أو التنسيق الفني بنوعيه الخارجي والداخلي""4"، وهو يرى أنّ صلتها بمسرحية موليير واهية، بل منبتة "5" ، ويرى أن قراداً «شخصية البخيل في مسرحية النقاش» يقف على قدم المساواة مع "هرباغون" موليير"6".
وعى النقاش وأدرك جيداً في مسرحيته الأولى الفروق بين المجتمع الأوروبي الذي أنتج وتلقّى مسرحية موليير "البخيل"، وهو مجتمع ذو إرث مسرحي طويل وذهنية درامية، وبنى المجتمع العربي الذي لم يعرف المسرح من قبل، وبرز هذا الفهم في خطبته التي تلاها عند تقديمه المسرحية، وقد بيّن فيها غاياته من هذا الفنّ الجديد، كما بيّن فيها رسالة المسرح، وتعدّ هذه الخطبة أول بيان في المسرح العربي، وأهم ما جاء فيه: "وها أنا متقدّم دونكم إلى قدّام، محتملاً فداء عنكم إمكان الملام، مقدّماً لهؤلاء الأسياد المعتبرين، أصحاب الإدراك الموقرين، ذوي المعرفة الفائقة، والأذهان الفريدة الرائقة، الذين هم عين المتميّزين بهذا العصر، وتاج الألبا والنجبا بهذا القطر، ومبرزاً لهم مرسحاً أدبيَّاً وذهباً إفرنجياً مسبوكاً عربيّاً""7". وهذا يبيّن أن إدخال ما هو غريب على التراث تبعة يتحمل نتائجها المبدع، ولذلك أدرك هذه القضية بعبارته ـ"محتملاً فداء عنكم إمكان الملام"، ولكنه يحمّلهم قسطاً من هذه التبعة في عباراته التي يمتدحهم بها، ومن هنا يمكننا أن نفسّر الحكمة من إقامة المسرح في المنزل من جهة، وأن يكون علية القوم ونخبتهم أول المدعوّين من جهة أخرى، ثمّ أنّه بين صلة المسرح بالأدب، وبيّن أنه فنّ وافد وجنس إفرنجي، كما وعى جيّداً أهمية أن تكون الصياغة عربية خالصة، وهو في ذلك يختصر قضايا مسرحية هامة، كالإعداد والتأصيل والهوية وما شابه ذلك.
وقد اشتملت هذه الخطبة على فهم واعٍ لوظيفة المسرح وأنواعه والسبب الذي دعاه إلى أن يبتدئ المسرح العربي بالكوميديا المطعّمة بالأشعار والأغاني وتقليد المسرح الموسيقي ملائمة للذوق العام في بلده، ودعا المتفرجين إلى أن يلاحظوا الأخطاء التي قد يقع فيها هو وفرقته ليتنبّه عليها، مبيّناً أنّ هؤلاء الممثلين هم في الحقيقة هواة، وهم هواة بلا رواد ولا معلمين ولا آباء في المسرح سوى ما شاهده النقاش واختبره بحسّه، بل هم يجهلون فنّ التمثيل جهلاً يكاد يكون كلياً، ومع ذلك فإنه يختتم خطبته ببيان وظائف المسرح وفوائده، فيقول"8": "فأنتم أيضاً ستنظرون عند كثرة تكرارها. منافع تعجم الألسن عن وصف مقدارها. لأنها مملوءة من المواعظ والآداب. والحكم والإعجاب، لأنه بهذه المراسح تنكشف عيوب البشر. فيعتبر النبيه ويكون منها على حذر. وعدا اكتساب الناس منها التأديب. ورشفهم رضاب النصايح والتمدن والتهذيب. فإنهم بالوقت ذاته يتعلمون ألفاظاً فصيحة. ويغتنمون معاني رجيحة. إذ من طبعها تكون مؤلفة من كلام منظم. ووزن محكم. ثم ويتنعمون بالرياضة الجسدية. واستماع الآلات الموسيقية. ويتعملون إن أرادوا مقامات الألحان وفنّ الغنابين الندمان. ويربحون معرفة الإشارات الفعّالة. وإظهار الأمارات العمالة. ويتمتّعون بالنظارات المعجبة. والتشكلات المطربة. ويتلذّذون بالفصول المضحكة المفرجة. والوقايع المسرّة المبهجة. ثمّ يتفقهون بالأمور العالمية. والحوادث المدنية. ويتخرجون في علم السلوك. ومنادمة الملوك. وبالنتيجة فهي جنّة أرضية. وحافلة سنية. فأرجوكم أن تصغوا لها وتسمعوا. وهذا ضرب منها فتمتّعوا".
إن هذه الفقرة غنية بما فيها من معرفة بفوائد المسرح ووظائفه، فالمسرح أولاً مواعظ، وأولى وظائفه إبراز العيوب ليتجنّبها المتلقي النبيه، وقد جاء في خطبته: "والروايات التي يتشكّلون بها ويعتمدون عليها. من ظاهرها مجاز ومزاح وباطنها حقيقة وصلاح حتى أنها تجذب بحكمتها الملوك من أعلى أسرّتهم""9"، وهو بهذا يُعيد على أسماعنا نظرية التطهير التي جاءت في كتاب "فنّ الشعر" لأرسطو، والمسرح عنده مدرسة في عصر عزّت فيه المدارس والتعليم، فهو يعلّم اللغة العربية الفصيحة في زمن انتشرت فيه العاميات، وهو رياضة وحركة، وهو مدرسة لتعليم الموسيقى الشرقية والمقامات اللحنية، وهو وسيلة حضارية لا غنى عنها، ناهيك عن التسلية والمتعة اللتين يقدّمهما للمتفرّج، وهنا يتبين لنا الوجه الآخر للنقاش، وهو وجه الناقد المسرحي الذي يتحدّث عنه الدارسون.
وقدّم مارون النقاش عام 1849 مسرحية "الشيخ الجاهل"، وهي من تأليف أخيه نقولا النقاش، وقدّم في أواخر سنة 1849 في منزله أيضاً مسرحيته الكوميدية الشهيرة "أبو الحسن المغفّل او هارون الرشيد"، وهي هزلية مضحكة ملحنة في ثلاثة فصول، وقد مثّلت كثيراً فيما بعد، ومن الذين مثّلوها أبو خليل القباني، ثم قدّم النقاش مسرحية "ربيعة بن زيد المُكدَّم" من تأليف أخيه نقولا النقاش، أما آخر مسرحياته فهي "الحسود السليط" أو "السليط الحسود" عام 1853، وهي من تأليفه، وتتمتّع ببناء راق بالقياس إلى ما قبلها، وهي كوميديا أخلاقية اجتماعية معاصرة، أجاد فيها المؤلف صياغة الحوار، والتزم الموقف الاجتماعي لكلّ شخصية من الشخصيات، فأبدع في تصوير شخصية سمعان بطله وتطوير مواقفه وتنامي الحدث، وكان أسلوبه فيها بسيطاً سهلاً قريباً من الواقعية.
نجح مارون النقاش في نقل الظاهرة المسرحية من المجتمع الأوروبي إلى المجتمع العربي، وقد يعود ذلك إلى عوامل أهمها:
1- أن الرجل كان موهوباً، وكانت موهبته تهيّئه لمثل هذا الدور، وهي موهبة متعددة الجوانب والأبعاد مركّبة وظّفها في المسرح، فهو شاعر وموسيقي ومؤلف ومخرج وممثل وناقد، وهذا ما أهّله ليقوم بكثير من الأعمال في المسرحية الواحدة، فهو يؤلّفها ويخرجها ويدرّب الممثلين ويقوم بالتمثيل إضافة إلى وضع الألحان وسواها، وهذا ما جعله يجرّب، ويتنبّه على كثير من الأخطاء التي كان يرتكبها هو أو أحد أفراد فرقته التي ألّفها، وقد سلك في التأليف الطريق التي ينبغي للمسرحي أن يسلكها، وهو في أن يكون مسرحياً أولاً ومؤلفاً أو شاعراً ثانياً.
2- وأن الرجل كان يمتلك العدّة الثقافية اللازمة التي ترفد أيّ إبداع، وأهمّها معرفة اللغة والاطلاع والسياحة والتجول في البلدان المختلفة.
3- وأن المسرح يحتاج إلى المال، وكان الرجل تاجراً ناجحاً، فلم يكن بحاجة إلى المال ليعيش من مسرحه، وإنما أنفق بسخاء على مسرحه من ماله الخاص، ولم يكن يهمّه سوى النجاح وتأسيس مسرح عربي.
4- وأنّ البداية التي بدأ بها النقاش مسرحه سليمة وصحيحة، فهو استهدى بأعمال موليير في مسرحياته الثلاث وأعجب بها، ولكنه لم يقم بترجمتها، وكأنه كان يدرك أهمية أن ينشأ المسرح عربياً، ولذلك ذهب إلى التراث الشعبي في مسرحيته "أبو الحسن المغّفل"، ولذلك أيضاً ذهب إلى الكوميديا مع أنه في خطبته عارف بالأنواع المسرحية الأخرى، فهل ذهب إلى هذا النوع لأنه لاقى استحساناً في نفسه، أو لأنه يتلاءم مع الغناء، وهو النوع المسرحي الأصعب، وخاصة أنه لا يرتكز على الحدث بقدر ما يرتكز على الموقف وكشف العيوب الاجتماعية، فبدأ بداية سليمة في مجتمع تجسّمت عيوبه وتعدّدت؟‍
لم تنتهِ الحركة المسرحية بوفاة النقاش، فهو الذي مهّد لها وسوّاها، وألّف فرقته التي أثمرت جهودها المسرحية في بلاد الشام أولاً ثم في مصر، وأنتشر تلاميذه يؤسّسون الفرق ويؤلفون لها المسرحيات، ومن هؤلاء أخوه نقولا النقاش الذي ألّف في حياة أخيه مسرحيتين، ثم ألفّ بعد ذلك مسرحيته "الموصي"، وابن أخيه سليم النقاش (ت 1884م) الذي ألّف وترجم عدداً من المسرحيات، منها (المقامر) و(الكذوب) و(غرائب الصدف) و(الظلوم) التي أغضبت الخديوي إسماعيل إذ ظن أنها نقد لأساليب الحكم في ذلك الوقت ، فطرد الجوقة من مصر، وأديب إسحق (1856- 1885) الذي ألّف وترجم بعض المسرحيات، ومنها (غرائب الأتفاق في أحوال العشاق) و"شارلمان" لفكتور هوغو، وإبراهيم علي الأحدب (1824- 1891)، وله مسرحيات كثيرة، منها "ابن زيدون مع ولادة" و"أبو نواس مع جنان" و "الاسكندر المقدوني -ترجمة" و"جميل بثينة وكثيّر عزّة" و "عروة بن حزام مع محبوبته عفراء" و"قيس ولبنى" و"مجنون ليلى" و"المعتمد بن عبّاد" و"المنخّل اليشكري مع المتجردة" وسواها، وخليل اليازجي (1856- 1889)، وله مسرحيتا (المروءة والوفاء)و(الخنساء وكيد النساء)، وسليم بطرس البستاني(1848-1884)،وله "الاسكندر و"قيس ولبنى" و"يوسف واسطاك" ونجيب الحداد (1867- 1899) الذي ترجم للمسرح ماينوف على عشر مسرحيات، منها "أوديب الملك" لسوفوكليس، "والبخيل" لموليير، و"شهداء الغرام" لشكسبير، وهي مسرحيته "روميو وجولييت"، وألّف عدداً من المسرحيات، منها "الرشيد والأمير غانم" و"المهدي وفتح السودان"، وفرح أنطون (1874- 1922) الذي ترجم للمسرح عدداً من المسرحيات، منها "أبو الهول يتحرّك" و"بنات الشوارع وبنات الخدور" و"السلطان صلاح الدين الأيوبي ومملكة أورشليم" و"مصر الجديدة ومصر القديمة" 1913 التي تعدّ بداية لتاريخ نهضة التمثيل الشرقي، مثلتها فرقة جورج أبيض بتاريخ 5-7- 1914.

2- أبو خليل القباني:
هو أبو المسرح الغنائي ومؤسس المسرح في سورية، ولكنّ المراجع تختلف بين زمني ولادته (1832-1841) ووفاته (1902- 1904)، ولد في دمشق، ودرس اللغة والعلوم الدينية والموسيقى والموشحات، وأحبّ رقص السماح، ونظم الشعر والزجل مبكراً، ثمّ أولع بالمسرح وانصرف إليه مؤلفاً ومخرجاً، فهو موسيقي نشر فنّ السماح، وله في الغناء باع طويل، وأديب وشاعر وممثّل وكاتب مسرحي، ويروى أنه كان يحضر عروضاً لمسرحيين لبنانيين سبقوه، وخاصة لمارون النقاش وأتباعه، وقد عرضت الفرقة اللبنانية في دمشق عام 1868 مسرحية "الإسكندر المقدوني" لإبراهيم الأحدب، إضافة إلى عروض مسرحية في مدارس العازاريين في منطقة باب توما بدمشق تذكر الروايات أنه كان يتردّد عليها ويحضر عروضها p.
كان القباني يمثّل مع فرقته في منزل ذويه في دمشق، ثم أنشأ مسرحاً عرض فيه بضع روايات غنائية من وضعه وتلحينه اقتبس حوادثها من "ألف ليلة وليلة"، لكنه صادف عنتاً من القوى المتزمتة بدمشق، فاستصدرت أمراً من السلطان بإغلاق مسرحه، ولم تكتف بذلك، بل أحرقت مسرحه، وحاولت أن تكيد له، فكانت تحاصره في منزله، وترسل وراءه بعض الصبية إذا خرج، وهي تنشد لإزعاجه:


أبو خليل النشواتي
يامزيف البناتِ

ارجع لكارك أحسن لكْ
ارجع لكارك نشواتي

أبو خليل مين قال لك
على الكوميضيا مين دلكْ

ارجع لكارك أحسن لكْ
ارجع لكارك قباني"11"

وهكذا رحل الرجل إلى مصر عام 1884 فلاقى فيها نجاحاً ملحوظاً، وشاركه العمل الشيخ سلامة حجازي صاحب الصوت الجميل، فكان "صاحب الفضل في تثبيت أقدام هذا الفن في مصر.. والراجح أيضاً أنه هو الذي بذر بذرة المسرح الغنائي في مصر ومهّد الطريق للشيخ سلامة حجازي وسيّد درويش وغيرهما مّمن اشتغلوا بالمسرح الغنائي في مصر""12".
مثّل وأخرج أكثر من ستين مسرحية غنائية له ولغيره، ألّف منها حوالي خمس عشرة مسرحية، ولم يصلنا منها سوى ثماني مسرحيات، نقلها لنا الدكتور محمد يوسف نجم في كتابه الشيخ أحمد أبو خليل القباني، وهي على التوالي:
1- رواية "هارون الرشيد مع الأمير غانم بن أيوب وقوت القلوب"، وهي تاريخية غرامية أدبية تلحينية تشخيصية ذات خمسة فصول.
2- رواية "هارون الرشيد مع أنس الجليس" تشخيصية ذات خمسة فصول.
3- رواية "الأمير محمود نجل شاه العجم"، وهي غرامية أدبية تلحينية تشخيصية ذات خمسة فصول.
4- رواية "عفيفة" تاريخية أدبية أخلاقية تمثيلية تلحينية ذات خمسة فصول. وهي مستوحاة من مسرحية "جنفياف"، وقد تردّدت في الكتب الدينية وسير القديسين.
5- رواية "عنتر بن شداد" تاريخية أدبية غرامية حربية تلحينية تشخيصية ذات أربعة فصول.
6- رواية "لباب الغرام" أو "الملك متريدات" تشخيصية ذات خمسة فصول، وهي رواية أدبية غرامية حربية. وهي من تأليف جان راسين ترجمها سليم النقاش، ثم اقتبسها القباني، ولم يكن يتقن اللغة الفرنسية.
7- رواية "حيل النساء" "الشهيرة بلوسيا"، وهي رواية تمثيلية غرامية أدبية ذات أربعة فصول.
8- ناكر الجميل.
تنتاب مسرحيات القباني عيوب كثيرة، أهمها:
1- سيطرة الغناء والشعر الغنائي والرقص والموسيقى والموشحات على بنية العمل المسرحي، ولذلك فإنّ الموسيقى والغناء يأتيان أولاً في مسرحه، وهذا ما دفع محمود تيمور إلى أن يقول:"13"
"وكان أكبر ما يعنيه في التمثيل إتقان الألحان الموسيقية والغنائية والافتنان في توفير الرقصات الإيقاعية".
2- معظم مسرحياته مستمدة من الحكايات الشعبية، وخاصة "ألف ليلة وليلة"، وهو لم يستطع عامة أن يغيّر في أحداث الحكاية الأصلية، وكأنّ عمله اقتصر على توزيع الحوار على الشخصيات.
3- ضعف الحبكة لسيطرة الغناء والموسيقى، وخلو مسرحياته من الشخصيات المتماسكة المتنامية التي وجدناها عند سلفه النقاش.
ومع ذلك يظلّ القباني رائداً من رواد المسرح ناضل ليرسي دعائم هذا الفن في مجتمع لم يتهيأ بعد لمثل هذا الفن، وخلّف تلاميذ له في سورية، وأهمهم اثنان: المعلم داود قسطنطين الخوري (1860- 1939)، وكان الآخر موسيقياً، أخلص لفن القباني، فألّف المسرحيات التالية:
1- "مثال العفاف في رواية الأميرة جنفياف" مثلت في حمص 1890
2- "الصدف المدهشة"
3- اليتيمة المسكوبية"
4- عمر بن الخطاب والعجوز.
5- الابن الضال"14"
ولكنّ هذه المسرحيات كانت محدودة الأثر، إذ مثّلها تلاميذ مدرسة الروم الأرثوذكس بحمص، وكان الرجل معلّماً فيها، وهي روايات تمثيلية ذات عيوب كثيرة.
أما تلميذه الثاني فهو معروف الأرناؤوط (1893- 1948) الذي ترجم عدة مسرحيات، ومنها "حرب المائدة" و"ديانا" و"الستار الأسود" و"محمد"، وألّف عدة مسرحيات، منها "أبو عبد اللَّه الصغير" و"الرجوع إلى أدرنة" و"الشريف" و"عمر بن العاص"، ولا يختلف هذا المؤلف عن سلفه.


3- يعقوب صنوُّع المعروف بأبي نظارة: (1839-1912 )
ولد في القاهرة وتوفي في باريس، وكان يتقن عدّة لغات، أهمها الإيطالية والفرنسية، وقد هيّئت له ظروف جيّدة في مصر، فقد كان والده مستشاراً للأمير أحمد يكن حفيد محمد علي، وهذا ما ساعده أن ينشئ مسرحاً للتمثيل في القاهرة سنة 1870، فعُدّ بذلك مؤسّس المسرح المصري، وكان يكتب مسرحياته بنفسه ويجمع الممثلين ويدرّبهم، ولما مرّ بضعة أشهر على تأسيس مسرحه استدعاه الخديوي إسماعيل ليمثّل مع فرقته على مسرحه الخاص في قصر النيل، ثم قال له أمام الوزراء وكبار رجال القصر: "نحن ندين لك بإنشاء مسرحنا القومي، فإن كوميدياتك وغنائياتك ومآسيك، قد عرّفت الشعب على الفنّ المسرحي. فاذهب، فإنك موليير مصر، وسيبقى اسمك كذلك أبداً""15".
كان صنوع قريباً ومقرّباً من القصر، ولكنه في الوقت ذاته كان ينزع إلى الحرية والتحرّر، وهو الذي درس في أوربة، ثم غدا مقرّباً أيضاً وقويّ الصلة بالأفغاني ومحمد عبده، وهما على طرفي نقيض من الخديوي، ولذلك فإنّ يعقوب صنّوع كان أكثر جرأة من سلفيه النقاش والقباني في طرح القضايا الاجتماعية والسياسية على خشبة المسرح، وهذا يعود إلى أمرين: الظروف الجيّدة التي هيئت له واختلاف النظام والمجتمع حينذاك في مصر عن بلاد الشام.
ألّف وترجم واقتبس صنّوع ما يزيد على ثلاثين مسرحية، لم يصل منها سوى سبع مسرحيات كتبت باللهجة المصرية، وقطعة حوارية قصيرة، نشرها الدكتور محمد يوسف نجم"16".
يذكر الدارسون من مسرحيات صنّوع (آنسة على الموضة (عامية- ملهاة) و(الأميرة الإسكندرانية) و(البربري) و(البنت العصرية) و(البورصة) و(الحشّاش) و(راس ثور وشيخ البلد والقواص) و(الضرتان) و(الغندور) و(الوطن والحرية) و(موليير مصر ومايقاسيه) و(زبيدة) و(زوجة الأب) و(الأخوات اللاتينية) و(الزوج الخائن-بالإيطالية) و(السلاسل المحطمة- بالفرنسية) و(طرطوف -لموليير ترجمة) و(فاطمة -الإيطالية والفرنسية والعربية)"17"، وقد خلّف صنوع أثراً كبيراً في المسرح والمسرحية في مصر، وخاصة في المسرحين الاجتماعي والسياسي من جهة وفي المسرحية المكتوبة باللهجة المصرية من جهة.
وهكذا صار علينا أن نتوقف عند النتائج أو القواسم المشتركة التي يمكننا استنتاجها من مرحلة الريادة والبدايات قبل أن نتوقف لقراءة مسرحية "أبو الحسن المغفل" نموذجاً لهذه المرحلة، وأهمها:
1- أنّ هؤلاء الرواد قدّموا مسرحا لا طقساً احتفالياً، وقدموا نصّاً مسرحياً، وأن اللبنانيين كانوا السباقين إلى هذا الجنس بحكم اتصالهم المبكّر بأوروبة ولغاتها، وقد نقلوه إلى مصر وبلاد الشام الأخرى، فلاقى تجاوباً حسناً في مصر، وشجّعه الشعب والدولة معاً، ولكنّ المجتمع في بلاد الشام آنذاك كان غير مهيّاً لولادة هذا الجنس الأدبي، وخاصة في ظلّ الاستبداد العثماني.
2- وأن المسرحية كانت تُؤلف أو تُترجم أو تقتبس لتمثّل على الخشبة، فالنص كُتب لهذه الغاية، وكان الكتّاب مخرجين وممثلين ومشتغلين بالمسرح، وهذه سمة عامّة وهامّة وضرورية.
3- وأن الموسيقى والغناء والرقص كانت تقحم في العمل المسرحي والمسرحية إرضاء للذوق العام واستجلاباً للمتفرجين، ولذلك فإن المسرح قد لبى رغبات الجماهير على حساب وحدة المسرحية وبناء حبكتها بناء متماسكاً في كثير من الأحيان، أو رغبة في الغناء (سلامة حجازي)، فاقترن الغناء بالتمثيل، فلا نكاد نجد مسرحية واحدة في هذه المرحلة لا يغنّى فيها أو لا يصاحبها الغناء والرقص، وقد أدرك مارون النقاش هذه الصفة في مجتمعه، فذهب إلى أن المسرح الغنائي هو الذي يوافق الأسماع، فعدل عن المسرح النثري إلى المسرح الشعري الموسيقي، وقد بيّن في خطبته أن المسارح تقسم إلى مرتبتين، كلتاهما تقرّ فيهما العين، إحداهما بغير أشعار وغير ملحّنة، والأخرى تسمى أوبرا، وكان يظنّ أن الأولى أسهل وأوجب في البداية، ولكنّه فضّل أن يبدأ بالثانية لسببين: الأول لأنها ألذّّ وأشهى، وثانياً لأنها أحبّ عند قومه وعشيرته، ولذلك ذهب "إلى تقليد المسرح الموسيقي المجدي""18"
4- استمدّت هذه المسرحيات مادتها من:
آ- الواقع التاريخي: وهو يشمل التاريخ العربي وسواه (خليل اليازجي- إبراهيم الأحدب- سليم البستاني- فرح أنطون- معروف الأرناؤوط)
ب- الواقع الأسطوري: ويقتصر هنا على الترجمة (نجيب الحداد -فرح أنطون).
جـ التراث الأدبي: (نقولا النقاش وإبراهيم الأحدب الذي اشتهر بهذا اللون)
ء- التراث الشعبي: الاستفادة من ألف ليلة وليلة وبعض السير الشعبية (مارون النقاش -أبو خليل القباني -نجيب الحداد)
هـ- الواقع الاجتماعي المعيش: (مارون النقّاش -سليم النقاش -فرح أنطون -يعقوب صنّوع).
5- وأن المسرحيات المترجمة كان ينتابها الحذف والتلخيص مراعاة للأصالة والتأصيل والظروف الاجتماعية، وكانت هذه المسرحيات تزوّد بالأشعار المصنوعة مراعاة لهذه الظروف، فتصبح مزيجاً من النثر والشعر، وكانت العناوين تعرب، وهذا ما كان يحدث للشخصيات.
6- وأن المسرحيات استهدفت في هذه المرحلة تحقيق غايتين: أولاهما الإمتاع والتسلية، والأخرى الوعظ والإرشاد والتعليم، فقد كان المسرح نهضوياً إصلاحياً، وهو في ذلك يوازي الشعر الموضوعي (القصصي -التاريخي -الدرامي) الذي كان ينتاب بنيته شيء غير قليل من الوعظ والإرشاد.
7- وأن التمثيل كان في بداياته، وكان الممثل جاهلاً بكثير من أمور المسرح، وهذا ما وعاه مارون النقاش في خطبته، فطلب من السادة المتفرجين أن يلاحظوا عثراته وعثرات جماعته، فقال: "19” "ولكني مع ذلك أرجوهم لكي ينبهّوني عما فرط. ويرشدوني بمعزل إلى إصلاح الغلط. لأنّ هذا الفنّ بحر زاخر. وفلك دائر. لاسيّما أن المشتركين معي للتشكّل بهذا المظهر اللوذعي. الذين ساعدوني على هذا العمل. ووافقوني وانجدوني لبلوغ الأمل. لم يزالوا متجدّدين ومبتدئين بفعله. ولم يمرَّ عليهم قبلاً مظهر كمثله. فلا يخلو الأمر من أنهم يقعون في بعض ورطات. ويشجبون على بعض سقطات. يشعر بها من له المطالعة. على دقايق هذه الحقائق الساطعة. ولكنهم بالحقيقة معذورون نظراً لبدائتهم. وعدم وجود إمام كاف لهدايتهم. خصوصاً نظراً لافتقارنا إلى المحلاّت اللائقة. والكواسم والطواقم الموافقة".
8- وأنّ هذه المرحلة هي المرحلة المولييرية بلامنازع، وهي مرحلة الكوميديا الملحنة المغنّاه. ابتدأ المسرح العربي بالكوميديا المغنّاة.
9- وأن هذه المسرحيات اتصفت أخيراً بكثير من العيوب الفنية في بناء الشخصيات والحوار واللغة وسوى ذلك، ومع هذا فإنها تظلّ مؤشّراً حقيقياً على المعاناة التي كان يعانيها هؤلاء الرواد لإيجاد مسرح عربي.

يتبع=
ألطاف محمد غير متواجد حالياً   رد مع اقتباس
من شكر ألطاف محمد على المشاركة المفيدة :
 


الذين يشاهدون محتوى الموضوع الآن : 1 ( الأعضاء 0 والزوار 1)
 
أدوات الموضوع
انواع عرض الموضوع

تعليمات المشاركة
لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
لا تستطيع الرد على المواضيع
لا تستطيع إرفاق ملفات
لا تستطيع تعديل مشاركاتك

BB code is متاحة
كود [IMG] متاحة
كود HTML معطلة
Trackbacks are متاحة
Pingbacks are متاحة
Refbacks are متاحة

الانتقال السريع


Ads Organizer 3.0.3 by Analytics - Distance Education
الساعة الآن 04:32 PM.

 

Search Engine Friendly URLs by vBSEO 3.3.0